< رمضان ومناهج القرآن

آخر 10 مواضيع
الاحتلال يقرر الاستيلاء على أراضي يملكها مواطنين قرب رام اللهقيادة جيش الاحتلال تُكذب ليبرمان!باكستاني يهرب مخالفين تحت تريلامادة تدريبية في العلوم والحياة للصف التاسع الفصل الأولالمقاومة الفلسطينية تطلق النار تجاه طائرة "فانتوم" شرق رفحوفاة طفل بحادث سير شرق غزةإيقاف التشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو في متجر App Storeإجابة أنشطة و أسئلة كتاب العلوم للصف السابع الفصل الأولالإجابات النموذجية لكتاب العلوم والحياة للصف السادس الفصل الأولالعثور على العمال الثلاثة الذين اختفوا على الحدود الفلسطينية المصرية


العودة   منتدى الشمال التعليمي > المنتديات العامة > رمضان 2016 > أدعية وابتهالات رمضانية

رمضان ومناهج القرآن

رمضان ومناهج القرآن أنزل الله القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين، وقد يسره سبحانه للذكر وأوضحه للفهم، وضمن له البقاء والحفظ؛ قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ


إنشاء موضوع جديد إضافة رد
ads

فيسبوك

روابط مفيدة
طلب كلمة المرور
كود التفعيل
تفعيل العضوية
مراسلة الإدارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-27-2016, 11:34 AM
عبير الورد عبير الورد غير متواجد حالياً
مشرفة الأقسام
 
تاريخ التسجيل: Feb 2013
المشاركات: 4,454
افتراضي رمضان ومناهج القرآن

 


 

القرآن, رمضان, ومناهج

May 27th, 2016


رمضان ومناهج القرآن



أنزل الله القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين، وقد يسره سبحانه للذكر وأوضحه للفهم، وضمن له البقاء والحفظ؛ قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[1].

وقد جعله الله نورا للإنسانية ونظامًا للبشرية ينتظم شئون الحياة العاجلة، ويَعُدّ المؤمنين لحياة الخلود في الآخرة، فمن تمسك به رشَد، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن اعتصم بحبله المتين أنقذ من عار الشك والضلالة والشرك والجهالة إلى شرف الإيمان ونور الهدى واليقين.

وذلك لما اشتمل عليه من مصالح للناس في معاشهم ومعادهم وشئونهم الخاصة منها والعامة وما انتظمه من أحوال الفرد والأسرة والمجتمع والأمة، ولا شك في أن له الأياديَ البيضاء على الدنيا؛ إذ تدين له بالفضل عليها في تثبيت دعائم الإيمان، وتقوية عرى الإسلام، وإيضاح شرائعه في العبادات وأحكام المعاملات ومبادئ الأخلاق، وتزويدها بالدروس والعبر من الماضي، وتبصيرها بالحاضر والمستقبل، ولا عجب؛ فقد أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، وسيبقى على مر الزمان معجزةً تتحدى الفصحاء والبلغاء والعلماء والخبراء وواضعي الدساتير والقوانين أن يأتوا بمثله، ولكنهم لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.

فقد رسم هذا المنهجَ الجامع لكل مطالب الحياة بطريقة خاصة وأسلوب فذ ونظام فريد لا يقدر عليه إلا اللهُ العليم الحكيم سبحانه.

فأما منهجُه في العقائد فقائم على أساس من الإيمان بالله وحده لا شريك له ببراهين لا تقوم على التلقين والتقليد، وإنما تقوم على التأمل والنظر في ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، وما سطره في كتاب الكون المفتوح؛ من آيات إعجاز، وبدائع صنع متى تأملها العاقل وأمعن النظر فيها هدته إلى خالقه ودلته على أن لهذا الكون مبدعًا وإلهًا مدبرًا عالمًا بشئونه وحكيمًا في صنعه؛ إذ خلق كل شيء فقدره تقديرًا.

والإيمان الذي يقوم على هذا الأساس الصالح من الفكر والنظر ودوام التأمل واستنباط الدلائل واستخلاص النتائج هو الإيمان الصحيح المثمر، واليقين الصادق الذي لا تنفصم عراه أبدًا والذي تطمئن به القلوب، وتنشرح له الصدورُ، وينير الطريق بين يدي السالك، وهو الإيمان الصلب الذي يقف صاحبُه على أرض ثابتة وقمة شامخة لا تصل إليها أيدي العابثين، ولا تنال منها معاولُ الهدم، ولا تعصف بها ريحُ الفتن، ولا يؤثر فيها إغراءٌ أو تهديد أو وعد أو وعيد، وما ذلك إلا لأن شجرة الإيمان الباسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

ومن أمثلة ثبات المؤمنين أمام الطغيان موقفُ السحرة من فرعون بعد أن وصلت أشعةُ الإيمان إلى نفوسهم، وأعلنوا عن إيمانهم، وقال لهم عدو الله: {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}[2] الآية. وموقف المؤمنين أصحاب الأخدود، ومواقف مستضعفي المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام عنت المشركين والمتجبرين، إذ تحطمت كل محاولة على صخرة الإيمان ورد كل سهم إلى صدور المعتدين.

وأما منهجه في الإسلام فترجمة صادقة وصورة رائعة لما انطوت عليه النفسُ من عقائد تتصل بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره، تجمعها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ويكون من ثمارها إقامُ الصلاة طاعة وخشوعًا وخضوعًا لعظمة الله، وإيتاءُ الزكاة شكرًا لله، والصيامُ والحجُّ تقربًا لله ورياضة للنفس وطهارة للقلب، واتباع تعاليم الإسلام جميعًا، ولا يسمح هذا المجال الضيق بتبيان ما يتصل بكل ركن منها فنكتفي بالإشارة عن العبارة.

وأما منهجه في الأخلاق فقائم على أفضل الأسس وأسمى المبادئ التي تحيط بأمهات الفضائل والتي يقوم عليها أمرُ الفرد والمجتمع.

فقرر مبدأ الإخاء الإنساني الذي يجعل من الأجناس البشرية أسرةً واحدة؛ فكلهم لآدمَ وآدمُ خلق من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيضَ على أسود إلا بالتقوى، فأذاب بذلك فوارقَ الدم واللون؛ ولم يقبل أن تكون أصلاً صالحًا للتفاضل، وإنما التفاضل بالتقوى وما يقدمه كلُّ إنسان في سبيل الله، وعلى هذا يصبح الناس سواسية كأسنان المشط، وهم أمام الله سواء في التكليف والجزاء. وهم كذلك متساوون في الحقوق والواجبات؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[3].

وكما قرر مبدأ الإخاء والمساواة قرر الحرية وأكدها لكل إنسان هبة من السماء إلى الأرض ونعمة من الله على عباده؛ تكريمًا للإنسانية، واحترامًا لسلطان العقل، وتمكينًا لرسالته في هذه الحياة. فلم يجبره على الإيمان، ولم يكرهه على اتباع دين بعينه، وإنما أوضح له مناهج الإيمان ومعالم الحق والهدى، وأمره أن يتبصر ويتدبر، وأن يبحث عن الحق، ومتى وصل إليه تمسك به، وهذا إنصاف وإعذار؛ قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}[4]، وقال: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً}[5] وقال: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ...}[6].

وبهذا يمضي الإنسان آمنًا مطمئنًا يؤدي رسالته بالقدر الميسر له لا يقف في طريقه شيء، ولا يصادر حريته أحد، ما دام حرا لا سلطان لأحد بعد الله عليه، فلن تستطيع قوة أن تتحكم في وجدانه أو شعوره.

وهي ليست معنى مرادفًا للفوضى والانطلاق بغير حدود ولا قيود ولا ضوابط، وإنما أساسها الحق والعدل، واحترام حقوق الآخرين، فليس لإنسان حق في أن يتجاوز حده أو أن يطغى على غيره، فيعيش الناس في سلام وأمن تحكمهم شريعةُ العدل، وتزن أمورَهم موازينُ الحق، لا يعدو قوي على ضعيف، ولا يستبد حاكم بمحكوم، ولا يتحكم غني في فقير، ولا تستعبد أمة أمة، وإنما يتعاملون بالحق، ويتواصون بالمرحمة، فينشر العدل جناحه على الإنسانية جميعها، ويزيل مظالمها، ويذهب آلامها، فيرفرف عليها علم السلام والمحبة؛ قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[7]، وقال: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[8].

ولا تستطيع أمة أن تستوعب هذا المنهج الضخم وأن تصون مبادئه السامية إلا إذا رُبي أفرادُها على الإيمان بالله الذي رسم هذا المنهج، وتعظيم شعائره واحترام تعاليمه ومراقبته والإخلاص له سبحانه. وإلا إذا عرفوا أنهم مسئولون أمام الله عنه، وأنه يجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

وقد وضع الإسلامُ للفرد منهاجَ السلوك، وألزمه السير على هديه كي يستقيم أمرُه وينجح سعيُه، وعَدَّ الصدقَ والأمانة والوفاء بالعهد والوعد والمحبة والرحمة والبر والصلة أمهاتِ الفضائل، وركائزَ الأخلاق؛ فلا قيام لها إلا بها فهي عنوانٌ على طهارة القلب ونقاء الضمير وصفاء الإيمان؛ كما قدم بين يدي ذلك التطهرَ من الرذائل والتخلصَ من النقائص ليكون أساسًا صالحًا للتحلي بالفضائل والتجمل بالمكارم، فلا بد لمن أراد نيلَ فضيلة أن يتخلى أولًا عما يقابلها من رذيلة.

وبهذا يتكون المجتمع من عناصرَ صالحةٍ؛ لا تكذب، ولا تخون، ولا تغش، ولا تخدع، ولا تظهر بفحش أو عيب، ولا تحقد، ولا تحسد، ولا تسيء، ولا تظلم.

ومِلاكُ ذلك كله التحلي بالحياء والصبر والعفة والقناعة والرضا وكظم الغيظ والعفو عن المسيء وسلامة الصدر وحفظ الجوارح؛ وبهذا تقوم الأمةُ الإسلامية متماسكة الأجزاء سليمة البنيان يسودُها الأمنُ ويعمها الرخاء.

وعونًا للمؤمن على تطبيق هذا المنهج شرع الله للناس عباداتٍ بدنيةً كالصلاة والصوم، وأخرى مالية كالزكاة وأبواب البر والصلة وأنواع الكفارات والجزاءات والديات، وأخرى مالية بدنية كالحج والجهاد في سبيل الله، وكلها ذات أهداف سامية؛ ففيها تثبيت للعقائد، وتأكيد للحقوق، وتنمية للفضائل وحماية من الرذائل. وتجربة عملية للمنهج السابق، وإطار عام يجمع شمل الأمة وينتظم شئونها الخاصة والعامة. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام جنة، والزكاة طهرة للمال، ووقاية للنفس من الشح والحرص، وتأكيد للإخاء الإنساني والتكافل الاجتماعي، وفي الحج تجرد من زخرف الحياة وشوائب المادة في صورة تجرد من المخيط والمحيط، وخلع لربقة الدنيا، وتحرير لإرادة الإنسان من الهوى، لتدخل في مراد الله وتسارع في محبة الله ورضاه.

كما رسم لنا نظام المعاملات المالية والمبادلات التِجارية، وبيَّن طرقَ الكسب المشروع من غيره؛ فأمر بالسعي والضرب في الأرض ابتغاءَ فضل الله ورزقه؛ قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}[9]، وقال: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ}[10]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً}[11]، وقال: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[12].

 

 



وبهذا خلص الله المسلمين من جرائم الربا والرشا والسحت وأكل مال اليتيم وتبديد الأمانات وتطفيف الكيل والميزان وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها وغيرها، وألزمنا أن نأخذ المال من حله وألا نضعه إلا في حقه.

وأمر بالاقتصاد في النفقة والتوسط في المعيشة بين الإسراف والتقتير؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}[13].

وأمرنا بالحفاظ على المال من الضياع مبينًا أنه عصب الحياة وشِريان النمو؛ قال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}[14]، واليد العليا خير من اليد السفلى.

وبهذه الضوابط صان المجتمع من عبث العابثين وفساد المفسدين وخيانة الخائنين وتسلطِ رأس المال بالاحتكارات والمضاربات والمراهنات والمقامرات التي يمتص بها الغني دم الفقير ويعدو القوي على الضعيف، إلى جانب ما سبقت الإشارة إليه من حقوق رتبها للفقراء وأرباب الحاجات في أموال الأغنياء.

ولقد طوفتُ بك أيها القارئ الكريم في رياض القرآن الكريم، وجمعتُ لك نبذة لطيفة من وروده ورياحينه، والتقطت لك من مائدته المطهرة طائفة تذوقت حلاوتها وأدركت قيمتها وعرفت أنه لا غنى لك ولا للبشرية عنها، فهي غذاء الأرواح وشفاء الأسقام ونفحة رب الأنام سبحانه، وما عليك إلا أن تُقبل عليها فهي فرصة العمر، وهي بعرضها الرائع في كتاب الله وأسلوبها الرصين تأخذ بمجامع القلوب وتبهر العقول فتقف إلى جانبها خاشعة متدبرة، وتلهج الألسن بالاعتراف بجلال نظمها وجمال لفظها وسلاسة عبارتها ويسر فهمها مع بقائها على مر العصور وكر الدهور وأنها آية الآيات ومعجزة المعجزات.

فلنستمسك بحبله المتين، فهو الأمان لمن تعلق به، والنور الساطع في دياجير الظلام، والفيصل فيما التبس علينا من أمر، ولنول وجوهنا إلى قبلته، ولنتحصن بقلعته الحصينة، ولنجعل من يوم نزوله أول ما نزل يومَ عيد لنا ونقطة انطلاق لقوى الخير والإصلاح، وحدًا فاصلاً بين عهد الجاهلية والظلام وعهد النور والإسلام. نمضي بغير تعثر لتحقق أمجاد الإسلام وعزة الإيمان.

قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}[15]، وقال: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى}[16]، أي لكان هذا القرآن.

وقد سجل الله ذكرى نزوله وجعل من هذه الذكرى شهر عبادة ووقت رياضة روحية تهدي النفوس وتصلح الأوضاع؛ قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[17]، وجعل ليلة نزوله ليلة قدر وشرف وسلام وأمن؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ....}[18]، وكرم صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[19]، كما فرض الله على المسلمين صيام شهر رمضان وجعله إعدادًا للنفوس وصقلا للعقول وصفاء للأرواح، وبذلك تشرق شمس الإسلام على عقول المؤمنين، وتنفذ أشعة القرآن إلى قلوبهم، ويتيسر لهم فهمُه وتعرفُ أحكامه وأسراره وعِبَره؛ قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[20].

أما الذين ران الكفر على قلوبهم، وطمس النفاق فطرهم، وغلب عليهم الهوى، وحقت عليهم الضلالة، فلا ينفعهم نصحُ ناصح؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[21]، ولا يمكن أن ينفذ نور القرآن إلى قلب من هذا وصفه؛ لأن قلوبهم كأجادب الأرض؛ لا تمسك ماء، ولا تنبت عشبًا، فكان لزامًا على من أراد أن ينتفع بالقرآن الكريم أن يفتح مغاليق قلبه ليصل نورُه إليه، وأن ينزع عن نفسه لباسَ الشك والشرك، وأن يخلع ربقة التقليد الأعمى لما كان عليه الآباءُ والأجداد، وأن يحرر عقله من هذه التبعية الممقوتة، ويرد إليه اعتباره، وأن يتطهر من رجس المعاصي وقبيح الذنوب؛ فإنه لا يمسه إلا المطهرون... والعلم نور ونور الله لا يهدي لعاصٍ... وعلى هذا الأساس وجدت المناسبة بين القرآن الكريم وبين رمضان في القرآن والسنة، وذلك لما بينهما من شبه؛ فالقرآن يصقل العقول بتعاليمه، ويهدي النفوس بإرشاده، ويصحح الأوضاع والمفاهيم، ويقوم المعوج، ويصلح الفاسد، وينظم شئون الحياة كلها... ورمضان جم المنافع، غزير الخيرات، طيب الآثار، عظيم البركات.

ومنافع الصوم ليست مقصورة على جانب دون آخر من جوانب الإصلاح، ولكنها تشملها جميعًا، ولا يكاد يوجد هدف من أهداف القرآن الكريم إلا وله صلة وثيقة بصيام رمضان وارتباط به.

فصلة القلوب بعلام الغيوب سبحانه القائمة على الإخلاص والإجلال كما تستفاد من تدبر آيات القرآن، تستفاد من صيام رمضان إيمانًا واحتسبًا؛ فلقد نسب الله عز وجل جميع أعمال العبد إليه إلا الصوم فأضافه إلى نفسه تكريمًا للصائمين؛ فقد جاء في الحديث: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم قال الله تعالى: فإنه لي وأنا أجزي به؛ يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" [22]، وذلك أن جميع الأعمال للنفس منها حظ إلا الصوم فقد تجرد من الحظوظ العاجلة وخلص لله الواحد المعبود، والأمر كذلك فلا يدخل الحضرة الإلهية ولا يذوق طعم الوصل إلا من صان نفسه وصام دهره عن التعلق بالأغيار وأقبل على الله الواحد القهار.

والعبادة التي بينا أنها الهدف الثاني من أهداف الإصلاح لا تكون مقبولة ومثمرة إلا إذا أديت لله خالصة وكانت النفوس فيها خاشعة وطهرت القلوب وزجرت عن الفحشاء والمنكر، وكذلك الصوم لا يعتد به حتى يبرأ صاحبه من الزور والفحش، وفي الحديث "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" [23].

ومن أغراض القرآن الكريم الحفاظ على الأجسام والعقول من الأضرار المتلفة؛ كما قال تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[24]، وقال: {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ}[25]، ومن الحكم: صوموا تصحوا.. فالصوم بهذا سلامة للأبدان من الأدواء، وللعقول كذلك؛ فالعقل السليم في الجسم السليم، والبطنة تذهب بالفطنة.

وكما نهى الله عن اتباع خطوات الشيطان وأمر بعداوته فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}[26]، يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع[27].

وكما مدح الله من زكى نفسه ونهاها عن الهوى وذم النفس الأمارة بالسوء، نجد في الصوم تزكية للنفس وإلجامًا لها بلجام التقوى ونهيًا لها عن الهوى وانتصارًا عليها.

وكما صان الله بتعاليمه الجوارح من الفحش وقبيح الفعال سلم الصائم منها بصومه، وفي الحديث "الصيام جنة، فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب؛ فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم"[28]. وكما أصلح القرآن الروابط بين الفقراء والأغنياء بتعاليمه أصلح الصوم بين الناس، ففيه عون للفقير على العفة والصبر، وعون للغني على الشكر والإحساس بحاجة الفقراء ومد يد العون إليهم. إلى آخر ما بين رمضان والقرآن من صلات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان"[29].

وأخيرًا أرجو الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لأن نتدبر آيات الله ونستجيب لما تدعونا إليه من فضائل وننتهي عما تنهانا عنه من رذائل، وأن تحدث في نفوسنا ثورة على ما بنا من تخلف عن ركب القرآن، فقد تورطنا في انحرافات من عمل الشيطان وخصال الكفر والنفاق تعقبها توبة وإقلاع واستقامة على الصراط المستقيم وندم وتحسر على ما فرطنا في جنب الله.

وأن نصوم صومًا حقيقيًا ننزه أنفسنا فيه عن الفحش والزور والبهتان والفساد والإفساد، فيظهر بلدنا الإسلامي في شهر الصيام بمظهر البلد المؤمن فعلاً، الصائم حقًا، مظهر الطهر والوقار بالليل والنهار، وأن تجعل منه بداية طيبة نرتفع فيها إلى مستوى المعركة ومتطلباتها من الرجولة والشهامة والغيرة والنخوة وحياة الجهاد والجندية بدلا من الخنوثة والميوعة والانحلال التي طغت على أخلاقنا وأساءت سمعتنا وجعلتنا لا نثبت في معركة ولا نقوى على جهاد، ونحن في أمس الحاجة إلى صبر ومصابرة ومثابرة على الفداء والتضحية، فنرجو الله ولا نيأس من روح الله.


الموضوع الأصلي: رمضان ومناهج القرآن || الكاتب: عبير الورد || المصدر: مركز الشمال التعليمي

كلمات البحث

رمضان 2016 , رمضان , مسلسلات رمضان 2016 , برامج رمضان 2016 , تطبيقات رمضانية




المواضيع المتشابهه:

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
القرآن, رمضان, ومناهج

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


Bookmark and Share


الساعة الآن 08:04 PM

أقسام المنتدى

المنتديات العامة | القسم الإسلامي | الصوتيات والمرئيات الاسلامية | القسم العام | القسم الفلسطيني | القسم الرياضي | القسم الصحي | قسم الصور | المنتديات التقنية | أخبار التقنية | مكتبة البرامج المجانية | منتدى الجوال والاتصالات | الأندرويد | Android | بلاك بيري | Blackberry | الأيفون | iPhone | نوكيا | Nokia | المنهج الفلسطيني | المرحلة الابتدائية | المرحلة الاعدادية | المرحلة الثانوية | الصف السابع | الصف الثامن | الصف التاسع | الصف العاشر | الحادي عشر مشترك | الثاني عشر العلوم الانسانية | الحادي عشر علمي | الحادي عشر علوم انسانية | الثاني عشر مشترك | الثاني عشر علمي | اللغة العربية | التربية الإسلامية | اللغة الإنجليزية | الرياضيات | العلوم العامة | جغرافية فلسطين وتاريخها (المواد الاجتماعية) | الثقافة التقنية | التكنولوجيا | الصحة و البيئة | اللغة العربية | اللغة الإنجليزية | التربية الإسلامية | تكنولوجيا | الإدارة و الاقتصاد | اللغة العربية | اللغة الإنجليزية | التربية الإسلامية | تكنولوجيا المعلومات | الإدارة و الاقتصاد | فيزياء | كيمياء | أحياء | رياضيات | تاريخ | جغرافيا | قضايا معاصرة | الثقافة العلمية | رياضيات | فيزياء | كيمياء | أحياء | رياضيات | تاريخ | جغرافيا | قضايا معاصرة | الثقافة العلمية | رياضيات | الحادي عشر شرعي | العقيدة | أساليب الدعوة وفن الخطاب | الحديث الشريف وعلومه | الفقه الاسلامي وأصوله | القرآن الكريم وعلومه | المعلم والمدرسة | أساليب وطرق التدريس | تكنولوجيا التعليم | امتحانات الوظائف التعليمية | الادارة التربوية | الإرشاد النفسي والتربوي | الاقسام الأدارية | قسم التصميم والجرافيك | قسم التصميمات المميزة | قسم أدوات الفوتشوب | قسم دروس التصميم | قسم البرمجة وقواعد البيانات | لغات البرمجة | قواعد بيانات | جديد الوظائف الشاغرة | آ خر الأخبار والمستجدات | المنتدى الاخباري العام | فلسطين أون لاين | الجزيرة نت | العربية نت | فلسطين الآن | عالم المأكولات والمطبخ | قسم الثقافة والآدب | البرامج التعليمية | ملتقى الادارة المدرسية | مقهى الضحك والفرفشة | المنتديات الادارية | الإعلانات و الأخبار الإدارية | دليلك للتعامل مع المنتدى | طلبات الاعضاء من الاداره | الشكاوي والاقـتراحات والمساعدة | ارشيف المنتدى | منتدى الالعاب | منتدى الدفاع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام | منتدى قسم قصص الأطفال | آخر الأخبار والمستجدات التعليمية | المكتبة الالكترونية | منتدى العاب الأطفال | كتب تقنية - كمبيوتر وانترنت وبرمجة | كتب الإكترونيات والكهرباء | كتب الهندسة | كتب الطبخ والأكلات الشعبية | كتب الرياضيات | كتب تعليم اللغات | كتب اسلاميه | كتب طبية | الثورة الإخباري | موقع جوبس للوظائف الشاغرة | قسم التهاني والترحيب والتبريكات | ديوان الموظفين- غزة | مجلة الرسائل | اختبارات الثانوية العامة وحلولوها | كتب أدب وثقافة | كتب اطفال | أخبار السيارات | منتدى صيانة الكمبيوتر واللاب توب | مواصفات الاجهزة Hardware specifications | عجائب وغرائب وطرائف العالم | شبكة الاسراء | برامج التصميم والمونتاج | أخبار مصر أول بأول | مدونة فرص | منتدى برامج الحماية والصيانة | منتدى الشروح التعليمية للبرامج والحاسوب | منتديات عالم المرأة | منتدى الأزياء والموضة للنساء والبنات | منتدى العناية بالبشرة والجسم | منتدى الحمل والولادة (نصائح للحامل) | منتدى جمال المرأة | منتدى عالم الأطفال | مكياج Makeup | تسرحات وصور تسريحات Hairs style | مجوهرات واكسسوران وعطور | شنط وأحذيه وساعات | فساتين زفاف وأعراس وأزياء أفراح وفستان العروس | ملابس المحجبات | صور عبايات - لفات طرح للعبايات - أزياء عبايات | أزياء وملابس - بيجامات - ملابس نوم | فساتين حوامل - أزياء للحوامل | العناية باليدين - العناية بالقدمين - تبييض الوجه | العناية بالشعر - خطات العناية بالشعر - تطويل الشعر | ملابس مواليد | خاص أزياء الأطفال | سوق الشمال للتبادل التجاري والمبيعات | سوق الجوالات | سوق العقارات | سوق الاجهزة الكهربائية | سوق السيارات والدراجات النارية | مشاريع مطروحة للبيع | سوق اجهزة الحاسوب | ثيمات وخلفيات الويندوز | قسم الهندسة والالكترونيات | أساسيات الالكترونيات | مشاريع الكترونية | Small Business | جديد مقاطع الفيديو | رمضان 2016 | أدعية وابتهالات رمضانية | مسلسلات رمضان 2016 | برامج رمضان 2016 | دروس رمضانية 2016 | تطبيقات رمضانية للكمبيوتر والجوال | أكلات رمضانية | رمضان احلى | يورو 2016 | البث المباشر للمباريات | أخبار العراق | أخبار لبنان | أخبار سوريا | أخبار السعودية | أخبار اليمن | جديد الأندرويد | للبرامج المجانية | علوم و تقنيات | فضائح وأخبار ساخنة | منتدى الأختبارات المدرسية | الفصل الأول | الفصل الثاني | منتدى اللغة الإنجليزية | قسم التحاضير الجاهزة | تحاضير الفصل الأول | تحاضير الفصل الثاني | فكرة تنير فكرة | المنهاج الفلسطيني الجديد 2017 | المنهاج الجديد من خامس حتى تاسع 2017 | المنهاج الفلسطيني الجديد من أول حتى رابع 2017 | المنهاج الفلسطيني الجديد ثانوية 2017 |



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Adsense Management by Losha
SEO by FiraSEO v3.0 .التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة المنتدى ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
This Forum used Arshfny Mod by islam servant

منتدى الشمال التعليمي

↑ Grab this Headline Animator

.